الكاتب المبدع حسان الحديثي
حديث الخميس: لميعة
بداية ساحمد نفسي ان كتبت عن لميعة ولم ينزلق بي قلمي للحديث عن السياب فانا اجد ان كلا الشاعرين جزء من شاعرية الآخر الذي تلبّسه في بداية حياته الشعرية وقد بدا ذلك واضحاً في بعض قصائد السياب كما بدا ايضاً في بعض قصائد لميعة وليس عندي شك ان السياب احب لميعة بعنف ، كما ليس لدي شك من ان لميعة بادلته ذلك الحب ولقد بدا ذلك في بعض نصوصها ثم اكدته في احد لقاءاتها حين وصفته بقولها:
(ذكرياتي معه جميلة، كان كريماً، رقيق القلب، زكي النفس والرائحة، رغم أنه كان يدخن كثيراً. كان لطيف المعشر وأحيانًا عصبي المزاج ومتوتراً ، كنا نجلس حوله لنستمتع بحديثه العذب وشعره ، كان إلقاؤه رائعاً وكأنه يمثل القصيدة أحياناً. التقينا آخر مرة في لقاء تاريخي القى بدر قصيدته ثم ألقيت أنا قصيدتي عن المرأة الشاعرة لم يفهمها أحد غيره)
انظر لوصفها له انه "زكي النفس والرائحة" وانظر لقولها ان القصيدة التي القتها لم "يفهمها احد سواه"، واني هنا لأعجب من بعض الواصفين للسياب انه لم يكن وسيماً، اقول لهم كن اديباً مؤدباً أنيقاً كالسياب تنل بذلك قلوب الجميلات كلميعة ثم الق بعدها وسامتك في اقرب جحيم.
ثم يتبين لي حب لميعة للسياب في قصيدتها "تحياتي إلى البصرة» التي تقول فيها:
خذي من نشوتي خمره ... ومن عهد الصبا شطره
ومن حبي ومـن مرحي ... ورشّي الليل بالخضره
لـيّـزهـر ألــفُ جـيـكــورٍ ... يناغي بـالهـوى "بدره"
وربما منع السياب من الارتباط بها موضوع الدين "وهذا مجرد تخمين"
أعود الى اللميعة لميعة ، فهي عراقية تشربت سمرة الطين وقد اتت من جنوب العراق ارض العاطفة والحنان والرقة والبساطة
أتت تلكم الكحيلةَ من قدسية الماء وهو عندها اصل الحياة وطقس العبادات وقد اصطبغت به كل المخلوقات ولا تتم العبادة -في ديانتها- بغيره أو بعيداً عنه (يعتبر الماء احد طقوس العبادة للمندائيين)
هي من اكثر مَن تعامل مع روح الشعر بعفوية بعيداً عن تعقيد النظريات الشعرية فقد كانت باحثة عن بساطة الكلمة والمعنى فهي لم تنظم الشعر قدر نظمها لعواطف بقالب خليلي ، اشعر انها لم تنظم الشعر لأجل الشعر وقرائه ، بل كانت تنظمه لحاجتها له حين تشعر بفوران القصيدة في صدرها ، ولقد اعجبني كثيراً قولها عن نفسها "قد لا أكون شاعرة كبيرة ولكني لم أكن يوماً إنسانة صغيرة" وهي تعلم جيداً انها شاعرة ولكنها قدمت انسانيتها لتقول ان لا قيمة لشاعر دون انسانيته.
لميعة تعاملت مع الشعر بإحساس المرأة ولمستها الانثوية أكثر بكثير من تعاملها معه بأداة الأديب وآلة الشاعر فهي تقدم نفسها كأنثى في كتابتها والقائها للقصيدة قبل ان تقدم نفسها كشاعرة وقد القى عليها هذا الاحساس قوة الشخصية والثقة العالية في النفس مع مسحة عالية من الترافة الممزوجة بالعلو والاعتداد بالنفس فهي تقول في نص لها كحوارٍ مع رجل:
تدخنين؟ لا
أتشربين؟ لا
أترقصين ؟ لا
ما أنت ِ؟ جمعُ لا ؟
أنا التي تراني ، كل خمول الشرق في أرداني
فما الذي يشدُ رجليك إلى مكاني ؟
يا سيدي الخبيرَ بالنسوان
أنّ عطاء اليوم شيء ثانِ
حلّقْ ! فلو طأطأتَ لا تراني
ولقد تغنت لميعة بالرجل كثيراً بل شببت به -ان صح التعبير- ومن اجمل من وصف لميعة في هذا المجال هو الشاعر السوري شوقي بغدادي فقد قال إذا كان نزار قباني شاعر النساء فإن لميعة شاعرة الرجال ويتجسد ذلك في نص "لست غيري" الذي لا يخلو من جمال الجرأة العبثية للسيدة الشرقية
تقول فيه:
سيدي طفلي
تُرى أين قضيتَ الليلَ ، ليلَ الأحدِ ؟
مُثقَلاً بالشُّغْلِ ؟ أمْ بينَ ذراعَيْ أغيَدِ ؟
يا نَديَّ الثَّغْرِ ، ثغري عَطِشٌ لم يَبرُدِ
كم تمنَّيتُكَ بالأمسِ فما ... نَعِمَتْ عيني ولا ضمَّتْ يدي
أنا خوفٌ مُزمِنٌ تجهلُهُ
وحقولٌ مُرَّةٌ لم تُحْصَدِ
يائساً تَـرْجِعُ من وَصلي فإنْ
قَرَّبَ الشَّوقُ وِساداً
أُبـعِـدِ
لم تستطع لميعة فصل عراقيتها عن شخصيتها ابداً بل لم تستطع ان تنسلخ من ريفيتها البريئة والتي رافقتها وكبرت معها ، في لهجتها ومفرداتها، في معاني شعرها الفصيح والشعبي ، في نظرتها الى الحياة فهي الآتية من مدينة "الطِيب" من مدن العمارة على ضفاف دجلة والتي وصفها العلامة مصطفى جواد بقوله "هي بُليدة اشتهر أهلها بالأدب واشتغلوا في الثقافة"
وقد بدا تأثرها وحبها لبغداد بيّناً في واحدة من اجمل قصائدها بعد ان تقاذفتها البلاد بين بيروت ودمشق والقاهرة والرباط وطرابلس الغرب حتى استقر بها المقام في اقصى غرب الأرض في مدينة سان دييجو في ولاية كاليفونيا الامريكية، تقول في قصيدتها "المعلق" نسبة الى جسر بغداد المعلق:
يا ثِقْلَ كرخِيَّ نُـجاذِبــــهُ ... لُطفَ الهَوى ووِصالُه نَزْرُ
مُـتَـرَدِّنٍ بالزَهـــوِ أعْجَـبَهُ ... أنَّ الأحبــةَ حَوْلَهُ كُثــرُ
يدنو فتَحْسَبُ أنتَ لامسهُ ... ويغيبُ ليس لليلـهِ فجرُ
ويقولُ مشتاقٌ وفي غَدِهِ ... يتمازجانِ الشوقُ والهجرُ
ونُـريـدُهُ ، ونُلِــــحُّ نطلبهُ ... فيجيئُنا مِنْ صوبهِ عُـذِرُ
ويظَلُ هذا الجسرُ يُفصلنا ... وكأنَ دَجلةَ تحتهُ بــحرُ
خُلقَتْ جسورُ الكونِ موصلةً ... إلا "المعلقِ" أمرهُ أمرُ
لم تنسها حياتُها بعيداً عن العراق بكل ما فيها من ترف وجمال ، لم تنسها العراق لم تنسها طفولتها وشبابها ، ومن اجمل ما كتبت في ذلك قصيدتها "الاطلسي" التي نظمتها على ضفاف الاطلسي في المغرب والتي تقول فيها :
وحيدةً على شواطي الأطلسي
ليس سوى ذكرِك كان مؤنسي
في غرفتي ...عفواً فليست غرفتي بل محبسي
ارقب من شباكها الاحياء ملء الشاطئ المُشَمَسِ
عيد لكل اثنين في مثل جموحِ الفرسِ
من غرفتي احكي عن الحب انا
وعن هوى لم المسِ
كفيلسوف يصف الخمر التي لم يحتسِ
لميعة عباس عمارة شهرزاد الأدب العراقي ومؤنسة الشعر الأنثوي في غربته وملهمة بدر شاكر السياب التي كتبت له بعد مرور ٣٠ عاما على وفاته :
يوم أحببتك أغمضت عيوني
لم تكن تعرف ديني
فعرفنا و افترقنا دمعتين
عاشقاً مُتَّ ولم تلمس حدود الأربعين
وأنا واصلتُ أعواميَ أو ...
واصلتُ تسديد ديوني
لميعة عباس عمارة اقتربت منها كثيرا حين زرت "سان دييجو" ثلاث مرات وقد حال بيني وبين لقائها سوء الحظ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق